محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
34
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كلّ ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل قال بعض العارفين : أبى المحققون أن يشهدوا غير اللّه ، لما حققهم به من مشهود القيومية وإحاطة الديمومية » « 1 » . وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : « إننا لننظر إلى اللّه ببصر الإيمان والإيقان فأغنانا ذلك عن الدليل والبرهان ، ونستدل به على الخلق هل في الوجود شيء سوى الواحد الحق ، فلا نراهم وإن كان ولا بد فنراهم كالهباء في الهواء ، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا » وقال أيضا رضي اللّه عنه : قوى عليّ الشهود مرة فسألته أن يستر ذلك عني ، فقيل لي : لو سألته بما سأله موسى كليمه « 2 » وعيسى روحه ومحمد صفيه صلوات اللّه عليهم أجمعين لم يفعل ، ولكن سله أن يقوّيك ، فسألته فقوّاني » . قال « ابن عطاء » في « التنوير » : « فما سوى اللّه تعالى عند أهل المعرفة لا يوصف بوجد ولا فقد ، إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحديته ، ولا فقد لغيره ؛ لأنه لا يفقد إلّا ما وجد ، ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان ، ولأشرق نور الإيقان فغطّى وجود الأكوان » . وهذا الكلام هو بسط ما ذكره في هذا الكتاب . وقال بعضهم : « لو تكلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده معه » وقال الشاعر : مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع مذ تجمعت ما خشيت افتراقا * وأنا اليوم واصل مجموع وقال آخر : اللّه قل ، وذر الوجود وما حوى * إن كنت مرتادا بلوغ كمال فالكلّ دون اللّه أن حققته * عدم على التفصيل والإجمال واعلم بأنّك والعوالم كلها * لولاه في محو وفي اضمحلال « 3 » من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال فالعارفون فنوا بأن لم يشهدوا * شيئا سوى المتكبّر المتعالي ورأوا سواه على الحقيقة هالكا * في الحال والماضي والاستقبال
--> ( 1 ) دام الشيء : ثبت وطال زمانه . ( 2 ) الكليم : لقب النبيّ موسى عليه السلام ، لأنّ اللّه كلمه . ( 3 ) اضمحل : ضعف .